الإحترافية في تخصص الطب المادة التي لا تدرس !

الكاتب : د. جمال عبدالواحد طاشكندي*

يعرف الإحتراف أو (المهنية) بالدعوة الى معرفة متخصصة وإعداد أكاديمي مكثف وطويل الأجل في مجال ما. أما الشخص المحترف فهو من تتميز أفعاله بالأفعال المطابقة للمعايير الفنية و الأخلاقية للمهنة, ويتصف أداءه بمراعاة الخلق المهني والأعراف والقوانين وأن يكون صاحب ضمير في أداءه.

أما الإحترافية فتعرف على أنها السلوك أو الأهداف أو الصفات التي تميز أو تضع علامة على مهنة أو شخص محترف, وهي مسألة تتطلب الإلتزام والديمومة, فهي مسألة لا يجب أن تخضع للأحوال المزاجية للشخص. وللإلتزام بالإحترافية (أو المهنية) متطلبات في شكل إحترام ثقة الإنسان وقيمه عموما, أوبعبارة أخرى، المهنية هي أن يؤدي الشخص عمله متبعا أعلى المعاييرفي مجال تخصصه وأن يكون دائم الحرص على احترام القيم الإنسانية.

عند الطبيب يبدأ تطبيق مبادئ الحرفية أولا وقبل كل شيء بكسب إحترام وثقة المريض من خلال الاستماع له،والإجابة على أسئلته, ثم شرح خطوات التشخيص وخيارات العلاج المقترحة. بعدها يجب على الطبيب إحترام رغبة ووجهة نظر المريض فيما عرض عليه. يأتي بعد ذلك مسألة التأكيد على قدرة المريض على السؤال والحصول على جواب مما قد يخطر بباله ولو بعد انتهاء أول لقاء له مع الطبيب. وهذا يبين أهمية التواصل بين الطبيب ومريضه والذي قد يكون شفهيا في حوار مباشر وجها لوجه كما يحدث في عيادات الطبيب. شكل آخر من التواصل هو التواصل المقروء وذلك في شكل منشور طبي أورسوم طبية مبسطة. ولكن قد يكون التواصل أيضا بشكل آخر وبلغة أخرى هي لغة الجسد وتعابير الوجه, والتي إن ظهرت بشكل غير لائق قد تفقد الطبيب إحترام و ثقة المريض, خاصة إن اجتمعت تلك التعابيير الغير مقبولة بقصر مدة لقاء الطبيب بمريضه.

وتكتسب الإحترافية (المهنية) حاليا أهمية قصوى, حيث كثرت مشاغل الطبيب بأعمال اكلينيكية وأكاديمية وإستشارية متعددة, كذلك تنوعت صفة الخدمات الطبية المقدمة ما بين خدمات طبية خاصة و حكومية عامة و تعليمية. وزاد على كل ذلك زيادة الطلب على الأطباء مع قلة عددهم, بل وندرة بعض التخصصات الطبية كالتخدير والعناية المركزة والطوارئ والأشعة. ويلازم ندرة هذه التخصصات تعقيدات الحالات المرضية المطلوب التعامل معها, الأمر الذي ألزم الجميع للعمل بحرفية عالية المستوى طوال مدة التعامل مع المرضى لضمان سلامة المريض والحفاظ على حقوقه.

وعن الأخذ بمبادئ الإحترافية في علم التخدير الإكلينيكي ( perioperative medicine) تعد ثورة ثانية في التخصص حيث سبقتها ثورة أولى في شكل تطور القدرات التقنية لمراقبة وظائف أعضاء جسم المريض وذلك خلال العقدين الماضيين.

فمن ضمن التحديات التي يواجهها طبيب التخدير قلة معرفة العامة بالتخصص, ووجود صور نمطية سلبية عن التخصص, وتعدد التعقيدات الجراحية, وحالة المريض النفسية السيئة قبل العملية, كل ذلك يقابله قصر مدة لقاء طبيب التخدير مع مريضه خاصة في الحالات الطارئة. دفعت هذه التحديات المتخصصين من علماء التخدير إلى الدعوة إلى الإلتزام بالحرفية وتثبيت مبادئها لدى المتخصصين, بل ونشر ثقافتها في المجتمعات الطبية المتخصصة. الأمر الذي ساهم ولاشك في زيادة رضى وسلامة المريض. وقد أثبتت بعض الدراسات بأن الإلتزام بالحرفية في التعامل مع المرضى زاد من ثقتهم بالطبيب وبالنظام الصحي ككل. كما أنه قلل من نسبة الدعاوي المقدمة ضد الأطباء والمراكز الطبية.

لذلك وكما ساهمت مبادئ الحرفية في تطوير تخصص التخدير وفروعه المتعددة, يكون من المؤكد أن تدريس هذه المبادئ لطلاب وطالبات الطب سيساهم في رفع مستوى وعيهم بأهمية الحرص على المبادئ والقيم الإنسانية أثناء تقديمهم الخدمات الطبية للمرضى وبالتالي الرقي بالخدمات الصحية وتطويرها نوعيا.

*أستاذ مساعد / إستشاري تخدير
كلية الطب-جامعة أم القرى

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد