لا تيــــــأس

الكاتب: حسام محمد القحطاني

جاءه الساعي ليخبره بأن لديه امتحانا ، وأنه لم يتبقى إلا أيام معدودات على هذا الإمتحان ، وأنه يجب عليه أن يضاعف جهده لينال الدرجات العالية ، والكثير من الكلام والمواعظ التي يسمعها دائما من صديقه ، شكر الساعي على كل شئ ثم أدار بوجهه للجهة الأخرى ، غير مكترث لكل ما قيل له كعادته ولأنه قد اعتاد على المذاكرة الطارئة قبل الإمتحان بأيام قليلة وكانت دائما هذه الطريقة ما تكون فعالة وناجحة.

ذهب صاحبنا إلى شقته الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها حجم قطعة من الموكيت، وألقى بنفسه على السرير ليخلد في نوم عميق ، غير مهتما بكل ما قيل له ، بل لم يحرك فيه أي ساكن ، وبعد ساعات من النوم في أحلام وردية وأجواء أوروبية رائعة،وسماء ملبدة بالغيوم والتي يكون لها طعمها الخاص في أوقات الإمتحانات ، صحى من نومه ، وغسل وجهه بماء بارد ينعش الأرواح ، وأعد كوبا من الحليب كعادته كل يوم ، وذهب إلى النافذة ليشرب كوب الحليب ويمتع ناظريه بأجواء المطر ونسيم الربيع ويستنشق الهواء البارد الملئ بذرات الأوكسجين لتغذي جميع أجزاء جسده الهزيل، وبعد أن انتهى من هذا المشهد الخرافي ، بدأت خلايا المخ ترسل ذبذبات عصبية لتخبره بأن الوقت قد حان لبدء المذاكرة في مادة هي أثقل على قلبه من جبل أحد، مادة مليئة بأسماء الأدوية واستخداماتها وطريقة تحضيرها والكثير من المعلومات التي تعجز ذاكرته عن الإلمام بها في وقت قصير.

أعد صاحبنا طاولته الخشبية المليئة بالخدوش من كل مكان ، وكرسيه الأبيض المصنوع من البلاستيك ، ووضع أمامه اللابتوب الخاص به، بدأ يجمع الأوراق المتناثرة في أجزاء غرفته الصغيرة ، وبدأ في ترتيبها ليجتمع أمام عينيه عدد هائل من الأوراق التي سوف يختبر فيها، المئات من الأوراق التي تتنوع ما بين مذكرات رسمية وأسئلة سابقة بالإضافة إلى العديد من الكتب، لم تصدق عيناه ما رأى ، فأصيب بصدمة نفسية ، أمام هذا المجموعة الكبيرة من المراجع ، في هذه اللحظة أدرك وتاكد أن الوقت المتبقي لديه لا يكفيه ولا بد له من أضعاف هذا الوقت لكي يختم هذا المنهج الطويل الممل. عندها أحس باليأس يدخل في شرايين جسده ليصل إلى قلبه ، وبدأ العقل الباطن يرسل الإشارات ليخبره أن لا خيار أمامك إلا الإستسلام والتسليم لواقعك المرير، وبدأت تتشكل في مخيلته النهاية الحزينه المؤسفة لمصيبته، وبدأت الأمور تتعقد في نظره وبدأ صاحبنا يؤمن أن لا حل لهذه المشكلة إلا الهروب منها،وبدأت نفسه تزن الأمور بموازين أهل الأرض ونسيت موازين الواحد الأحد في السماء.

فقام من على كرسيه ، ليرمي بجسده المنهك من كثرة التفكير على سريره الأبيض ، ويغمض عينيه ، وفجأة يمر على ذهنه الصافي في هذه اللحظات القصيرة آيات قرآنية قد نسيها وتذكر قول الله تعالى” قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ” عندها قام من سريره وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وذهب فتوضأ ثم صلى لله ركعتين ذليلا خاشعا، وبعد أن انتهى من صلاته ، فوالله لكأنه ولد من جديد ، ولكأن الحياة تدب في أطرافه، وقد صفي ذهنه ، وبدأ النشاط يدب في كل أنحاء جسده، وكانت الصلاة لصاحبنا كالعلاج النفسي الذي أخرجته من عتمة اليأس إلى نور التفاؤل.

بعد أن فتح الله عليه، بدأ صاحبنا يقرأ كل ما يقع تحت عينيه ، ويتنقل بين المذكرات إلى الكتب ثم إلى شاشة الكمبيوتر أحيانا، وأخذ يواصل الليل بالنهار وينام الساعات القليلة، حتى حان موعد الإمتحان ، وبدأ المشرف في توزيع الأوراق ، وعندما وضعت ورقة الإمتحان أمامه بدأ يقرأ الأدعية التي دائما ما يرددها عند كل امتحان، فتح ورقة الأسئلة وشمر عن ساعديه ليخوض المعركة التي لا خيار له فيها إلا الإنتصار أو الموت بشرف ، وبدأت عواصف من الأسئلة الصعبة تهب سمومها نحوه ولكن قاومها بكل بسالة وقوة، وبعد مرور ساعة من الكر والفر خرج من امتحانه منتصرا والإبتسامة تملأ وجهه كعادته ، لقد حل صاحبنا معظم الأسئلة ، وعند خروجه من قاعة الإمتحان أخذ على نفسه عهدا ألا يجعل لليأس مكانا في نفسه بعد اليوم ثم توجه إلى شقته الصغيرة ، وأطفأ كل الأنوار ، ورمى بجسده على السرير لينام سعيدا قرير العين.

تمر علينا الكثير من الأوقات الصعبة في كلية الطب ، ولكن لا تيأس مهما كانت الظروف والأحوال فلربما ركعتين في آخر الليل تفتح لك أبواب السماء.

ومضة: اقتل اليأس بسكين التفاؤل لتنعم بالنجاح.

هذه التدوينة تحتوي علي تعليق واحد

  1. ابتهال قال:

    واقع نعيشه الان ، أسئل الله أن ييسر لنا الأيام القادمة وتمضي على خير
    شكرا لكماتك التي حكت واقعا واعطت اجمل حكمة :)
    استمر ، موفق ^_^

إضافة رد