صبوا القهوة وزيدوها هيل

الكاتبة: ديما الشافي

جميعنا قد ذقنا طعم الصداقة وجميعنا لابد وأن استنشقنا شيئاً من عبقها وإن لم نكن نعلم أو حتى علمنا بأن الصداقة ليست على شاكلة واحدة فمنها القائم بشكل أساسي على التوافق والإنسجام ومنها المبني على التأقلم والإعتياد بفعل الظرف والزمن..

وعلى هذا الشق الأخير قامت صداقة وطيدة لا يختلف في أمرها اثنان ألا وهي صداقة العربي القديم مع التأمل ، فقد كانوا مجبورين ومجبولين عليه ولا فعل لهم سواه ، فالراعي الذي يجوب الأودية والتلال ، قد لا يجد ما يسمع سوى صدى صوت خرافه في الأرجاء ولا يحادث إلا قرص الشمس الباسط ذراعيه في كبد السماء ، وأيضاً في طرق السفر الطويلة وطرق إحضار الماء كلها ليست سوى ولائم ضخمة للتفكير والتأمل.

ثم بعد ذلك جاءت ثمار التأمل متأخرة قليلاً فأصبحت هي منبع علمهم ومعرفتهم ، فبه تعلموا الجغرافيا والفلك والفراسة وغيرها من العلوم التي لم يصلها طائل قبل العرب حين ذاك ، ثم جاء الإسلام وأمرنا بالتفكر والنظر في خلق الله وجعله عبادة نؤجر عليها وإن لن نحاسب على تركها ويدل على ذلك تكرار الله تعالى لقول: (لقوم يتفكرون) وما شابهها في المعنى من الآيات في كتابه الكريم ، وعلى نفس الإمتداد جاء عصرنا الحديث فارضاً علينا فعل التأمل في ظل شوارعنا المزدحمة وطرقنا الطويلة .. ولكني ورغماً عن ذلك أراهن بأنك لن تحتاج سوى لجلسة تأمل واحدة حتى تلاحظ ما لاحظت، فقد وجدت أمراً متفاقماً جللاً قد ضرب جذوره في كل ركن وكل بقعة من شوارعنا وطرقاتنا وهو تعلقنا العجيب بالتراث والتاريخ الذي حفر بصماته وغرسها عميقاً على واجهات مدننا وقرانا، فقد ترى دلّة هنا ومبخرة هناك وتمثال سيف وكنداسة وجمل وصاع و….، بل وأضحى أمراً مستحيلاً أن تدخل مبنى رسمي دون أن تجد فيه بوابة أو مدخل على شكل قلعة أو المصمك؟! لقد بت أستعجب من نفسياتنا التي تقدس التراث بشكل معدي ومتعدي لحدود المعقول، أما زلنا نعيش في الماضي! أم أن نفوسنا ما زالت تحن إليه وإلى ناسه! أم اللوم يقع على الطفرة التي انتشلتنا سريعاً من بين المهفة والدلة والسحارة والقربة ووضعتنا بين المباني والشوارع دون أن نستوعب التغيرات السريعة! أو أنها يدنا المغلولة وحيلتنا المقطوعة التي لم تجد لها حاضر قوي تنافس فيه فتمسكت بماضيها وعضت عليه بالنواجذ ، فعلى الأقل يكون لها أحدهما وإن غاب عنها الآخر!

من باب التأمل أيضاً ، كنت يوماً أفتش كراستي للرسم في المرحلة الإبتدائية وقد استنكرت المواضيع التي كانت تطلبها منا المعلمة من أجل الرسم: بيت شعبي ، نخلة ، أدوات تراثية! ألا توجد أشياء جميلة في الحياة لنرسمها لكي نكرر رسم التراث مرة بعد مرة بعد مرة! حتى أني أذكر بأن المعرض الفني الذي يقام في العادة في نهاية كل عام كان يتفجر من أعمال المباخر والفوانيس وما يماثلها من خياطة للبخانق والجلابيات..
تشبث الماضي بنا أو أننا تشبثنا به فلم يعد يتيح لي فرصة أن أجد منزلاً إلا وقد وُضع في ركنه القصي بيتاً للشعر وأثث من الداخل بأثاث قديم وأدوات معتقة ومنهم ممن لم تسمح له المساحات أو الأموال بممارسة ذلك التقليد الفريد فاكتفى بتخصيص غرفة بالمنزل على هذا النسق البديع..
وبعضهم دأب على صبغ منزله بالصباغ المسمى “تعتيق” وهو الأكثر انتشاراً الآن وربما الأغلى والأكثر طلباً وماهو إلا تشويه وتخريب للجدران وأذية للعين وللذوق وتلويث للمحيط ، وطريقته أن يحركون الدهان البني في جميع الإتجاهات حتى يظهر المنزل القديم أو المعتق كما يزعمون أو يحسبون بصورة لا ترتبط بالحاضر ولا حتى بالماضي وإني أستطيع أن أحلف يميناً مغلظة فيما لو رآه أحد الأولين لكره منزله ولشعر بالإزدراء والإهانة..
ألم تلاحظوا بأن الهدايا الفخمة في المناسبات الكبيرة تكون على شكل سيف أو مبخرة والدروع إما على شكل قلعة أو ما شابهها! ..ألا نجد شيئاً جديداً من صنعنا أو اختراعاً جديداً نقدمه لضيوف بلادنا غير مخلفات الماضي وبقاياه التي توارثناها ولم نصنع منها شيئاً..

نحن العرب ولأننا لم نجد حاضراً يملأ شغاف تطلعاتنا ولا سمعة بين العالم كما كنا عليه في الماضي فأصبحنا نظن بأننا بتمسكنا هذا نكون كما كانوا قديماً، فأصبح الرجل الحديث ينقل اسم والده أو جده الأشعث جيلاً بعد جيل وكأنه يريد أن يكون ابنه مثله وهو ليس بهذا ولا بذاك فالحياة الجديدة ما عادت تعنيها أمور النبل والبسالة والكرم والشهامة كما كانت قديماً  فأصبحنا بهذا التمسك والتقليد مسخاً ، لا هو حاضر قوي ولا قديم صحيح..
جميل أن نتمسك بتراثنا وأن نقدسه  ولكن ألا نقحمه في كل شئ  أو ألا نجعله عتبة نتوقف عندها ونخاف من أن نتجاوزها..

هذه التدوينة تحتوي علي تعليق واحد

  1. Randa قال:

    رائعه كالعاده ياديما.. تسلم يدك تمسكنا بالماضي بسبب فقدنا للحاضر المشوق ..اهم شي الرسم من جد البيت الشعبي كلنا اتعلمنا رسمه..

إضافة رد