عزيزي الطبيب لا تنس أن نصف العلم “لا أدري”!

د.محمد الحارثي-اسنان

الكاتب: د.محمد الحارثي *
كثيرا ما نرى مرضى يأتون بشكاوى ومعاناة وعندما يتم أخذ التاريخ المرضي يتضح أن المشكلة بدأت بسيطة ثم بدأت تتطور للأسوأ والسبب معالجات خاطئة لعدم تخصص الطبيب المعالج ، ولو أنه بعد الفحص والتأكد أنها ليست من اختصاصه  قام بالتحويل أو الاستشارة لمن هو متخصص فسيكون قدم أفضل خدمة وأفضل علاج لمريضه.

ومن التخصصات التي يستسهل الطبيب معالجة أي مشكلة تخصصات طب الأسنان. والسبب أنه بعد البكالوريوس يتخرج الطبيب كطبيب أسنان عام لديه فكرة عن جميع التخصصات ويمكنه معالجة الحالات البسيطة في بعض هذه التخصصات مثل الحشو، الخلع ، التركيبات وعلاج اللثة ..الخ

ولكن عندما تكون الحالة معقدة بأي تخصص فلا بد من إحالتها للمتخصص أو الاستشاري في هذا التخصص فتبدأ معاناة المرضى مع عدم تحسن حالاتهم بعد العلاج غير المتخصص.

وفي تخصص “آلام الوجه واضطرابات مفصل الفك الصدغي” لا يأخذ أطباء الأسنان في البكالوريوس إلا فكرة مختصرة جدا بمحاضرات لاتتعدى أصابع اليد الواحدة ، وأنا أتذكر أننا أخذناها بمحاضرة واحدة فقط ..!

ولكن بعد التخصص عند دراسة الماجستير والبورد/الزمالة أو الدكتوراه يلم الطبيب بجميع أبعاد تخصص معيّن بحيث يصبح متخصصا فيه فقط دون بقية تخصصات طب الأسنان ، وبالتالي يفترض أن يقوم بإحالة المرضى الذين تكون شكاواهم داخلة في تخصصات أخرى حتى لو كان لديه فكرة أو خبرة بسيطة من البكالوريوس وما بعد التخرج قبل التخصص. وبذلك نضمن أنه سيقدم خدمة ممتازة بتخصصه وكذلك كل طبيب متخصص عندما تحال إليه حالة بتخصصه يعالجها على أكمل وجه ، وبذلك تقل الأخطاء الطبية ولا نجد معاناة من العلاجات الخاطئة إلا نادرا.

ويراجع عيادتي عشرات المرضى والمريضات الذين يعانون من الآثار والمضاعفات المترتبة على معالجات خاطئة قام بها أطباء أسنان لم يتخصصوا بعد أو أخصائيين واستشاريين بتخصصات أخرى غير تخصص علاج اضطرابات مفصل الفك ، وأغلب من يتجرأ ويجرب علاج هذه المشاكل هم الزملاء بتخصص جراحة الوجه والفكين لوجود علاقة وثيقة بين تخصصهم وهذا التخصص لكن دورهم الصحيح يجب أن يكون العلاج الجراحي فقط عند فشل المعالجات التحفظية “غير الجراحية” لدى طبيب متخصص بهذه العلاجات ، ولا مفر منهم عندما لا يوجد متخصصون لندرتهم في تخصص علاج مفصل الفك غير الجراحي.

لذا فالمأمول من كل متخصص في جراحة الفم والوجه والفكين يأتيه مريض يعاني من مشكلة في مفصل الفك أن لا يستعجل العلاج الجراحي بل يقوم بإحالته للمتخصص أو حتى الاستشارة عن بعد، وألا يخجل من الاعتراف أن حدود علمه هو العلاج الجراحي وهناك من هو أعلم منه في المعالجات غير الجراحية، وأن تقول “لا أدري” خير ألف مرة من أن تهرف بما لا تعرف وقديما قيل “من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب” فكيف عندما تكون أفعالا لا أقولا ، وجراحية مؤثرة تأثيرا مباشرا على حياة ومستقبل إنسان ؟!خ أ

وأختم مقالي بأن ألخص ما يترتب على عدم استشارة المتخصص من أضرار مادية و-أو معنوية:

– إثقال كاهل المريض بطلب أشعة لا تفيد كثيرا إلا بالحالات المعقدة مثل أشعة الرنين المغناطيسي وهي مكلفة بالخاص ولها قوائم انتظار بالأشهر بالمستشفيات الحكومية مما يؤخر حالات بحاجة ماسة لهذه الأشعة.
– عدم التخصص يجعل الطبيب مضطرا لتجربة معالجات مختلفة عند عدم استجابة الحالات المزمنة مما يجعل المريض كفأر تجارب ، ويثقل كاهله بتكاليف العلاج والمراجعات التي لا تفيد بل قد تضر. وهذا يترتب عليه مشاكل ومضاعفات تحتاج لعلاج بمدة طويلة عند المتخصص بخلاف مالو تم إحالتها من البداية حيث لا تستغرق معالجتها فترة طويلة.
– عندما يذهب الطبيب للجراحة بعد فشل معالجاته غير الجراحية فإنه يعتبر الحالة هي المعقدة بينما كثير من الحالات لو عولجت لدى المتخصص فيستحيل أن تحتاج الجراحة ولا يخفى ما للجراحة من سلبيات ومخاطر كصعوبة إصلاح ما يزال بالخطأ والتعرض للتخدير العام ..الخ.
– يجب أن يدرك الطبيب أن إطالة معاناة المرضى بدون جدوى سيترتب عليها آثار نفسية واجتماعية قد تفاقم الحالة وتتسبب بمشاكل لا تنتهي حتى بنهاية الألم.

أرجو أن أكون قد لخصت أهم ما يجول بخاطري عندما أرى حالات تعاني أو عانت كثيرا من العلاج لدى طبيب اختار الاستمرار رغم أنه يعلم أنه يمارس تخصصا غير تخصصه أو نسي أن هناك متخصصين يجب الإحالة إليهم ، أو تناسى ذلك حتى لا يخسر مال هذا المريض لأن المادة أعمته عن هدف الطب الإنساني.

ولنتذكر أخي الطبيب أن نصف العلم “لا أدري”

وفقنا الله وإياك وجعل الشفاء على أيدينا… آمين

*استشاري علاج آلام الوجه والمفصل الفكي -مدينة الملك عبد الله الطبية – مكة

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد