ليلة في غرفة العمليات

د.اشرف المغربي

الكاتب : د. أشرف مغربي*
في نهار يوم جميل من أيام نهاية الأسبوع يقرر الجراح الاستمتاع بيوم رائع مع أسرته قبل ان يتم الاتصال بالجراح وأخباره بان مريض في العناية المركزة قد توفاه الله دماغياً وان أهل المريض وافقوا على التبرع بكامل أعضائه لمرضى آخرين. يغلق سماعة الهاتف ويرى ابتسامة ابنته الرائعة واستعدادها التام لقضاء هذه الليلة الحُلم و التي انتظرتها طويلا لقضاء إجازة نهاية الأسبوع. يبدأ الجراح بمحاولة إقناع ابنته الصغيرة انه مُضطّر آسفاً ان يلغي خطة ذلك اليوم الرائع وان مريضاً في المستشفى يحتاج عملية عاجلة هو قد انتظرها بفارغ الصبر لوقت طويل ويكمل حديثه بوعود اخرى للأسبوع القادم.

تبدأ التحضيرات واستدعاء جميع المرضى وذويهم وتبدأ استعدادات تحضيرية لكل مريض سيحصل على عضو من ذلك المريض الميت دماغيا. ليلتي قضيتها في زراعة الرئتين لمريض انهكه المرض وضاق به ذرعا من مرض خطير الم به، وانتظر متبرع لأكثر من ستة أشهر قضاها بين الطوارئ والمستشفيات بسبب فشل الرئتين والجهاز التنفسي. الساعة الان اقتربت من منتصف الليل وفي أثناء عملية سريعة وفي غاية الدقة والحذر يتم استخراج الأعضاء من ذلك المتوفى دماغياً وارسالها الى غرف العمليات المختلفة لنقلها الى المرضى، بدا الفريق الآخر والذي اعمل به في عملية إزالة الرئتين تحضيراً لاستبدالها برئتي المتبرع دماغيا والخالية من الأمراض.

على الرغم من دقة وخطورة مثل هذا النوع من العمليات الى ان الطاقم الطبي لذلك الجراح والمكون من ١٠ أشخاص وهو يحاول جاهداً في إبقاء هذا المريض المسكين على قيد الحياه بكل تقنية طبية واستخدام جهاز دعم القلب والرئتين وغيرها الكثير، يسير العمل بانسيابية رائعة ويتم اخبار الجراح بأي تغييرات قد تطرأ في المؤشرات الحيوية للمريض أثناء عمل استئصال الرئتين وهناك اكثر من شاشة عرض واجهزه ومعدات طبية تملأ هذه الغرفة الصغيرة.

تصل الرئتين ويتم أعدادها كالمعتاد والتأكد من سلامتها وتبدأ عملية وضعها وزراعتها في المريض الواحدة تلو الأخرى. بعد الانتهاء من هذه العملية الطويلة والمعقدة يتم بث الأوكسجين الى هاتين الرئتين بعد زراعتهما. ليس هناك شيء ُيدخل السرور على وجنات الطاقم الطبي أكثر من رؤية تمدد هذه الرئتين وعودة مؤشرات الحياه الى الطبيعية والبدء في قفل الشق الجراحي ووضع أنابيب الصدر والاستعداد لنقل المريض الى العناية المركزة لإكمال العلاج اللازم.

هذه اللحظات الأخيرة هي أشبه بعملية هبوط الطائرة بعد رحلة طويلة بسلام على آرض المدرج، ولكن الفرق في الطائرة شخص واحد هو المسؤول عن عمليه الهبوط بسلام لجميع الركاب بينما في غرفه العمليات الصغيرة تلك؛ فإن كامل الطاقم الطبي اهتمامه هو راكب واحد فقط… انه ذلك المريض المسكين.

تنتهي العملية بسلام ويُطمئِن الجراح أسرة المريض بنجاح العملية. وبعد ليلة طويلة وعصيبة قضاها ذلك الجراح وطاقمه الطبي في تلك الغرفة الصغيرة يصارعوا الموت ويسابقوا اللحظة لهبوط ذلك الراكب بسلام والعبور به الى بر الأمان. اول كلمات يهمس بها ذلك المريض في اذن الجراح بعد الإفاقة: ” أتمنى ان أستطيع ان أقف الآن لشكر الله اولا وثم لتقبيل جبينك أيها الجراح الإنسان “.

يذهب ذلك الجراح الى بيته صباح يومه الثاني ليجد ابنته في انتظاره وهي تقول “أتمنى انك قضيت ليلة سعيدة أبي، لكن متى سيكون موعد احتفالنا المؤجل لأني نسيت !! ”

  • ان يجعلك الله سببا في حياة أحدهم، فان الخالق اكرمك بنعمه لا تضاهيها نعمه.
  • ثقافة التبرع بالأعضاء تُسهم في تغيير حياة كيان وليس فقط في حياة إنسان.
*جراح متخصص في جراحة الصدر وجراحات الجهاز الهضمي المتطورة والسمنة.

 

هذه التدوينة تحتوي علي تعليق واحد

  1. Sajda قال:

    رائع المقال . ان كانت القصة حقيقية أتساءل هل حدثت في بلد عربي , لا أعتقد لدينا تلك الامكانيات
    اللازمة لزراعة الرئة ؟ أليس كذلك ..

إضافة رد