مُنصف أم مُجحف؟

الكاتبة: ديما الشافي

سؤال أطرحه في البداية ، بعد أن خارت قوى المنطق وعجزت عن إجابته، فربما مع تحليل المواقف وسرد الكلام سينحسر زحف الإستفهامات وستنضب بحيرة الحيرة و موردها فنستقي له منها جواباً، ربما قد كان مختبئاً خلف سراديب مختلفة أو منكمشاً تحت كومة من المتوهات أو حُجب عدة تغشى الحقيقة..

السؤال يقول، هل اختبار طلاب الطب في المستشفى وعلى مرضى حقيقيين أمر منصف أم مجحف؟ هل هو طريقة صحيحة تقيم العدل وتقوم به أم أنها قسمة ضيزى ومباراة جاحفة بين المُستحق وبين من هم أقل منه استحقاقاً؟هل تعتقد صديقي الطالب بأنه يعطيك حقك وافياً وتقديرك كما يجب أن يكون أم أنه يبخسك العرق الذي يعتلي جبينك طوال العام ليهدره سريعاً في اختبار لا تتجاوز مدته دقائق؟

من زاوية ما تطل على الموقف أجد أنه أمر بلا قاعدة ثابتة ولا مكيال محدد نستطيع أن نستنبط منه الإجابة ،فهنا تتشابك الأمور تشابكاً أهوجاً ووتتحكم بالموقف تحكماً سائداً حتى تنتج به نتيجة الإمتحان بناء على العامل الأقوى ذو السلطة العالية والتأثير الأكبر، فتختلف باختلاف الطبيب الممتحن ونفسيته ربما أوالحالة التي أمامه فقد يكون تقييمه – تبعاً للعوامل السابقة – صحيحاً وفي أوقات أخرى يكون أكبر معركة ظالمة يعلم فيها المهاجم حجم درع المتلقي الصغيرة بصغر خبرته فيرمي سهامه في مساحات لا يغطيها الدرع الضئيل، والأدهى والأمر عندما ينقلب الحال إلى اختباراً باغياً بغير حق فيُقدم للطالب درجات مرتفعة بطبق من ذهب فيعطي الممتحن كل الطلاب المارين من عنده درجات كاملة أو كاملة إلا ربعاً بقرار مسبق منه ، ماراً مرور الكرام على معلوماتهم باخساً حق كل من لم يمتحن عنده.

فالأجدر بنا هنا أن نحلل المعطيات التي تشد حبال الموقف وتتحكم فيه وبنتيجته فربما نرسو على بر أخير فنبدل علامة الإستفهام بالتقرير، وهي حسب ترتيب أهميتها:

طبيب مُقيّم (إن لم يكونوا اثنان) – العبد الفقير إلى ربه (الطالب) – المريض – حالة المريض.

1-      الطبيب ، وهذا هو صاحب الكفة الأثقل و نصيب الأسد في تسيير أمر الإختبار سلباً أو إيجاباً وإن تحالفت ضده جميع العوامل الأخرى ، وهو يرجع إلى ما يبحث عنه الطبيب وما تريد عيناه أن ترى فأحدهم يبحث عن العلم فقط والآخر يريد ثقة ولغة جسد قوية وآخر يبحث عن مهارات اليدين في الفحص وآخر يريد أن يرى طريقة التعامل مع المرضى وهناك من يسأل اسئلة تعجيزية لاستخدام طريقة الضغط أو لمعرفة حدود علم الطالب وتصرفه وهناك أيضاً صاحب المعضلة الكبرى الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام برجب فيظل طوال السنوات العجاف التي يمتحن بها يضع درجات متساوية بالحضيض بغض النظر عن مستويات الطلاب متجاهلاً سمعته بينهم ونظرتهم له وهذا برأيي لا يختلف كثيراً عمّن يوزع الدرجات هبات على طلابه فبكلا الحالتين هناك بخس لحقوق بعض الطلاب على حساب الآخرين، أبى من أبى ورضي من رضي.

كثير من الأقسام قد عملت على تبرير هذا التفاوت بوضع قائمة تحدد الاسئلة ومحاور النقاش ولكن ومهما كانت الأسئلة بالغة التناظر والتشابه وبدقة متناهية غير منقطعة النظير إلا أن  وقوع التباين والإختلاف أمر لابد منه فدرجة الرضا تختلف من شخص لآخر ، فمنهم اللين الراضي ومنهم الصلب الذي ينتظر تفصيلاَ وتحليلاَ ، أحدهم ترضيه إجابة سطحية والآخر يغوص عميقاً ، كما أن وجه الممتحن وتعابيره المختلفة قد تؤثر على أداء كثير من الطلاب فالبعض بحاجة لابتسامة تدفعه للانطلاق بالحديث أو إلى عبارات تشجيع تتلقفه من الخوف والتوتر الذي يقع فيه فلا يستسلم لشرك التلعثم أو الصمت ، وهذا ما لا نجده في كثير من الأحيان..

2-      الطالب ، وهنا نجد مساحات للمكر أو ربما الذكاء الجميل أو في رواية أخرى (استغلال للفرص) فدأب العديد من الطلاب على استخدام  طريقة جديدة تغيب عادةً عن بال و مرأى الأطباء ، فالبعض يعرف تفكير المختبر جيداً وماذا يريد وعن ماذا يبحث فيعدون له العدة ويرونه ما يريد بقوة وثقة وبصوت مرتفع ولغة جيدة وبذلك يستطعون استرعاء انتباه الطبيب واستقطاب إعجابه فيوقفون بذلك سيل الأسئلة ومن ثم سيحصلون على علامات مرتفعة مضافاً إليها إطراباً ومديحاً فيظفرون بها لقمةً سائغة وإن لم يغطوا بمذاكرتهم عشر ما يجب أن يغطى خلال الدراسة وخيرهما من يملك الاثنتين (علم وعمل) ولا ملامة في ذلك بل إنها حتماً ستعد كنقاط ضعف في رصيد من لا يملك هذا الحس أو الجبلّة..

3-       المريض وحالته ، لا يتدخلان كثيرا ولا يمكنهما قلب الكفة إلا في بعض الحالات التي يرفض بها المريض التعاون والإجابة على الأسئلة وربما يرفض بعض الفحوصات – وهم معذورون في ذلك – وأما حالته فهي كالريشة فوق الحجر فتكون نزراً يسيراً من الإختبار ولا تؤثر –عادةً- في مجراه ، فكثيراً ما تكون الحالات المنومة كثيرة فلا يتجاوز الاختبار حدود الحالات المعروفة التي نشاهدها في كثير من الأيام وغالباً ما تكون نتيجة الفحص وتقييم الحالة غير مهمة إلا فيما ندر..

وأخيراً وتلخيصاً لتجربة ضخمة وباع طويل في هذا النوع من الإختبارات واستخلاصاً لها أقول بأن الأمر برمته قائم على بضع لمسات وتصرفات تغيب عمّن تنقصه الخبرة وكلنا نكون في البداية قليلي بصيرة نتخبط يمنةً ويسره ونعتقد بأن الحفظ والمذاكرة الجيدة كفيلة بأن تبوءنا درجات عالية نطمح بها ونجري خلفها..

 إلى كل طالب مازال أمامه درب طويل واختبارات كثيرة لابد أن تكون لبيباً وتتذكر دائماً بأن ترفع صوتك وتزرع الثقة في نفسك وأن تعمل على تحريض موهبة التمثيل لديك وتستحثها وتبنيها بناء مشدوداً ولا تغفل عن تلك الحقيقة التي تقول بأن الطلة الأولى والهيئة البهية والبداية القوية قد تجيب قبل الفم أحياناً ، ويجب أن توقن تماماً بأن كل ما يأتيك في هذا الإختبار هو رزق من الله وقائم على توافيقه فلا يضيرك ما أتاك ولا تبك على ما لم يأتيك..

هذه التدوينة تحتوي علي تعليق واحد

  1. Hebo قال:

    شكرا على المقاله الرائعه
    الله يعطيكي العافيه

إضافة رد