رسالة لطلاب الطب والإمتياز

الكاتب: د. بندر سليمان*

تقع على أبنائنا وبناتنا الذين يدرسون التخصصات الصحية بكافة أنواعها مسئولية كبيرة وواجب عظيم يتشرفون بحمله أثناء دراستهم وبعد تخرجهم من مقاعد الدراسة والتدريب إلى ميادين العمل وساحات القطاع الصحي. وتتضاعف تلك المسئوليات والواجبات على جيل الأطبّاء الصاعد، فإليهم سيهرع الكبير والصغير من أبناء هذا الوطن للبحث عن علاج معتمدين بالكامل ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ على الخبرة والمهارة التي يعتقدون أنهم سيجدونها لديهم، طبيباً عامّاً كان في أصغر مركز صحي أو إستشارياً في أكبر المستشفيات المرجعية, وفي المستقبل القريب إن شاء الله سوف تكون أنت المعنيّ أيضاً بهذا الحِمل وتلك المهمّة الصعبة، فهل تعتقد أنك جدير بتحمل تلك المسئولية؟ وهل تستطيع أن تلقي على عاتقك همّ علاج شعب بأكمله؟

نعلم أن الحمل فعلاً ثقيل والمشوار جداً طويل. ولكن لتكون طبيباً يضع باقي الناس حياتهم بين يديك، وجب أن تمر بمراحل تأهيل متعددة لكي تصل إلى مبتغاك ومبتغى وطنك منك، وتصبح أهلاً للمكان الذي ستشغله. لذلك كانت مراحل التأسيس الأولى خلف مقاعد الجامعة لدراسة مواد الطب الأساسية (العلوم الطبية) مطلب حيوي لا يمكن التهاون فيه ولا يمكن التنازل عنه، وذلك كي تجعل لنفسك قاعدة معلومات أساسية يمكنك الإرتكاز عليها عند البدء في دراسة المواد الإكلينيكية (العلوم السريرية).

فحاول دراسة تلك المواد لنفسك ولنفسك فقط، وليس للدرجات أو للمعدل. أنشئ من فهم تلك المواد طريقاً واضحاً تهتدي به لفكّ رموز وشفرات التناغم والانسجام بين أعضاء وخلايا الجسم المختلفة. حوّل المعلومات التي تتلقاها يومياً في كل المواد لرواية تحكي عظمة الخالق في تكوين الجسم البشري.
دراسة الطب بالذات تتطلب جهداً كبيراً لربط المعلومات بعضها ببعض ، وجهداً أكبر لمحاولة دمج تلك المعلومات من علوم الطب المختلفة لاستنباط خصائص إكلينيكية معينّة تساهم في فهم الوظيفة الحيوية التي أرادها الخالق تبارك وتعالى لكل جزء من أجزاء الجسم. فدراسة العلوم الطبية الأساسية في بداية مشوارك الطبي هي دراسة لوظائف الجسم الأصلية التي لم يشوّها المرض ولم تفتك بها الميكروبات ، وحين تغوص في أعماق الدراسة الإكلينيكية سينصّب اهتمامك على فهم آلية تكوين المرض الذي أخلّ بتلك الوظيفة! فإن كنت قد تساهلت وتكاسلت عن فهم التكوين الطبيعي والأصلي لتلك الخلية أو النسيج أو العضو، فكيف ستعرف كيف سيتكوّن المرض أو على أي جزء سيؤثر؟ أو في أي مرحلة يمكن التدخل لعلاج ذلك المرض ؟؟

أما إذا اجتزت كل تلك المراحل بنجاح ووصلت إلى مرحلة الممارسة الأوليّة (سنة الإمتياز) فاعلم أنك ستقوم بصقل كل الخبرات والمهارات التي اكتسبتها خلال السنوات الست الماضية. ففي أشهر معدودة سيكون مطلوباً منك تكوين تشخيص واضح للحالات المرضية الإعتيادية والمتكررة في المجتمع السعودي، بل ومعرفة العلاج المناسب لتلك الحالات, وسيكون من المفترض أيضاً أن تكون قد حددّت الطريق الذي ستريد أن تسلكه بعد التخرج، فدراستك للطب تعني حتماً ميولك واهتمامك بتخصص معين تجدك ملماً بكل تفاصيله ومتابعاً لآخر أخباره وتطوراته وواثقاً عند مناقشة أشد حالاته تعقيداً.

ثم أن رحلة التعليم في الطب لا تنتهي بعد التخرج بل هي البداية الحقيقية للمشوار، فما تعتبره أنت اليوم معلومات جديدة وغير مسبوقة، ستكون تاريخاً سحيقاً ومعلومات قديمة في الغد .. ذلك أن خلق الله سبحانه وتعالى لا يمكن الوصول إلى منتهاه ولا سبر أغواره بالكامل، فكم رأينا من رموز وعلماء في الطب قد شابت رؤوسهم يقبعون في الكراسي يستمعون لشاب قام باكتشاف مذهل أو علاج فعّال, فهذه هي سنة الحياة وهذا أمر الله الباقي حتى قيام الساعة.

ختاماً اعلم أن هناك من يحاول المستحيل لجعل تجربتك الجامعية تجربة مفيدة وممتعة وسهلة قدر المستطاع، واعلم أنهم يدعون لك بظهر الغيب ويفرحون بفرحك ويزعجهم تكدرك وحزنك، واعلم أيضاً أنك عندما تفرح بنتيجتك أو تبتهل بتخرجك فإن وطنك يفرح ويبتهل معك أيضاً، وطنك الذي احتضنك بأرجائه فشربت مائه وتنفست هوائه، وطنك الذي ينتظرك أن تدفعه إلى الأمام ليصل إلى ماوصلت إليه بعض الأوطان التي تربعت على عرش العالم، ليس بشيء إلا بقوة من وقف ورائها ودفعها بكل قوة من شبابها وشاباتها.
أسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن ينير طريقكم وأن ينفع بلادكم بكم، وأن يجعلكم قرة عين لأهليكم وأحبابكم ووطنكم، وأن نراكم نجوماً تتلألأ في سماء مملكتنا الحبيبة، نجوماً نفاخر بها العالم في العلم والمعرفة والأخلاق والأدب.

Medical Laboratory Scientist*

جامعة طيبة (كلية العلوم الطبية التطبيقية)

هذه التدوينة تحتوي علي 2 تعليقات

  1. hidden voice قال:

    نسخة اخري لَأعضاء هيئة التدريس بالجامعات

  2. وادي قال:

    كعضو هيئة تدريس… وصلت الرسالة… بس ممكن تعمل نسخة لكل اب… وطالب… وطالبة… وشكراً

إضافة رد