الروح و النفس و الجسد‎

imageالكاتب: د.علي الزهراني*

كثر الجدل حول موضوع الروح والنفس ما حقيقتهما؟ وما هو الفرق بينهما؟ وما علاقتهما بالجسد؟
ونحن هنا سوف تكون انطلاقاتنا بعيده بعض الشي عن التفسيرات الغربية بسبب اختلافها عما ذهب إليه ديننا الإسلامي الحنيف وخاصة بعض النظريات النفسية كنظرية التحليل النفسي والتي رأى مؤسسها سيجمند فرويد الذي يرجع مشاكل الانسان السلوكية بالكبر الى خبراته الجنسية بالطفولة رغم ان هذا الرأى رفض فيما بعد من علماء نفس كثييرين لعل في مقدمته ابنته “آن”.
وكلمة الروح ذكرت في القران الكريم في مواضع عديدة قصد به معاني عديدة إلا أن المعنى الذي يعنينا هنا النفس عندما تمتزج بالجسد.
فالروح تسكن الجسد وتكون بداخله , وقد فسرها ابن كثير قائلا:
مر نفر من اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا ابا القاسم”ما لروح”؟ فاتكأ صلى الله عليه وسلم على عسيب نخل , ثم تلي عليهم قول الله جل جلاله:
ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا
أما الجسد فيعرف بأنه ذلك التكوين البدني الذي يحمله الإنسان على اختلاف هيئته من طول وقصر , يقول الله عز وجل :
ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم
وقال تعالى  :
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم
وقال تعالى :
وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين
وعندما تقرأ القران الكريم تجد ان كلمة البدن ذكرت بمعاني مختلفة مثل الجسد والجسم والبدن , ولكن إذا ذكر البدن مقرونا بالروح سمي “جسما” , وان كان معزولا عن الروح “أي لا روح فيه” سمي “جسدا” قال تعالى:
(فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار) .
فأذا اتصلت الروح بالجسد سميت “نفسا” قال تعالى:
(ونفس وما سواها) ، (كل نفس ذائقة الموت)
إذا أذا ذكرنا النفس قصدنا بها الجسد متصلا بالروح , وهناك انفكاك وعودة بين الجسد والروح يحدث يوميا عند خلود الانسان للنوم , وهناك انفكاك للروح نهائي يحدث بعد الموت تؤكده أحاديث كثر منها:
(ان الجنازة اذا حملت على الأعناق تنادي ان كانت صالحة قدموني قدموني وان كانت غير ذلك تقول ياويلها اين يذهبون بي).
وجاء في الصحيحين ان الرسول صلى الله عليه وسلم نادى شهداء بدر قائلا:
(يافلان ابن فلان , ويافلان بن فلان هل وجدنم ما وعدكم ربكم حقا؟ فأني وجدت ما وعدني ربي حقا).
فقال عمر: يارسول الله ماتخاطب من اقوام حتي جيفوا! فقال صلى الله عليه وسلم:
(والذي بعثني بالحق ما انتم بأسمع لما اقول منهم , ولكنهم لايستطيعون جوابا).
بعض العلماء يرى رأى اخر حيث يرون ان الروح هي نفسها النفس وقرر انها ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر وقرر ان الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس  بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات المدح او الذم فهي اما نفس مطمئنة او امارة بالسوء او لوامه.
ولان الروح نورانييه غير ملموسه نجدها تتأثر كلما ابتعدنا عن الله عز وجل او كلما ارتكبنا خطأ او خطيئة نحس بعدها بالحسرة والندم!!!
ولان العلاقة مترابطة بين الروح والجسد أصبحنا نرى ونشاهد كثرة في انتشار الامراض النفسية وخاصة بين الشباب , بسبب تعلقنا بالدنيا في هذا الزمان , ولاننا تخلينا من بعض المفاهيم والمبادئ السامية التي ذكرت بديننا الاسلامي الحنيف كالتوكل على الله والايمان بالقضاء والقدر وكذا الصبر والايثار والمحبة والتعاون والاخلاص والتضحية …وغيرها ولذلك ظهرت لدينا الامراض النفسية وانتشرت بكثرة مقارنة بعشرين سنه مضت.
وانا هنا بطبيعة الحال لا اقصد الامراض الذهانية كالفصام مثلا والتي يكون السبب فيها اما وراثيا او لاسباب اخرى كالتسممات مثلا او نتيجة الاصابات العضوية كالحوادث وماشابهها او نتيجة لتعاطي المخدرات , بل اقصد الامراض العصابية الخفيفة كالقلق بانواعه المختلفه والاكتئاب بانواعه المختلفه والمخاوف المرضية بانواعها المختلفه والوساوس القهرية وتوهم المرض وغيرها.
بل ان هناك انتشار واضح لما يسمى بالاضطرابات النفسجسمانيه Psychosomatic  أي الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي وما الامراض الجلدية الواسعة الانتشار في هذا الزمان الا دليل واضح على انتشار الضغوط النفسية في اوساط المجتمع , ليس فقط الامراض الجلدية بل القلون العصبي والامراض الجنسية ذات الطابع النفسي كضعف الانتصاب او القذف السريع وغيرها كثير.
ولعل هذا ماحدى بالبعض من الاطباء النفسيين الغربيين للاعتراف بعد (تقاعدهم) من انهم كانوا يعالجون أعراض سموها intangible  أي غير ملموسة (روحانيه) بأدوية نفسية سموها tangible  أي ملموسة!!!
وهم يقصدون في ذلك ان هناك امراض نفسية كانوا يتعاملون بالادويه مع انها امراض (روحاني) لاتحتاج في الاصل الى علاج “دوائي”!! وكأنهم يريدون ان يقولون بمفاهيمنا الاسلاميه المعروفه (ان تلك الامراض سببها روحاني وليس عضوي نتيجة البعد عن مبادي الدين الاسلامي الحنيف!
والامور الروحانيه علاجها قطعا بسيط بالعودة الى الدين الحنيف والقرب من الله عز وجل , ولعل هذا مايجعل الطبيب النفسي او المعالج النفسي المسلم يركز في علاجاته النفسيه (اللادوائيه)  على “العلاج الديني” من اجل ان يفعل لدى المريض النفسي المسلم تلك المعاني الاسلاميه العظيمة كـ(التوكل على الله والايمان بالقضاء والقدر والصبر والايثار والمحبة والتعاون والاخلاص والتضحية…الخ).
وبطبيعة الحال هولاء الاطباء الغربيين لايقصدون هنا الأمراض الذهانية كالفصام مثلا بل يقصدون الأمراض العصابيه سالفة الذكر والتي ضربت الناس في هذا الزمان نتيجة التنافس على الدنيا الفانية.
ولذا إصلاح علاقتنا مع الله عز وجل وقربنا منه سوف يبعث بأذن الله على الطمأنينة والراحة النفسية وسوف يرفع بلا شك من صحتنا النفسية وبالتالي يرفع قدرتنا في مواجهة الصدمات النفسية , وهذا بلا شك سيؤدي الى تحسن في صحتنا الجسدية.
ان الاهتمام بالجانب النفسي مطلب ليس في اوساط الاطباء النفسيين بل ايضا من قبل الاطباء العضويين نظرا لأهميته , ولعل هذا يفسر لنا تدريس طلبة الطب للعلوم السلوكية ومهارات التواصل مع المرضى ليمتد حتى على مستوى الزمالات الطبية.
د.علي الزهراني ، استشاري الامراض النفسية.

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد