تصيب او تخيب؟!

زوايا العدد السادس

الكاتب: ديمه الشافي

تغلبني الذاكراة فتمدني بشذرات من مقابلتي الشخصية التي كانت هي محطتي الأخيرة قبل الانخراط في الكادر الطبي ، لا أعلم حقيقة وحتى الآن لو كانت هذه هي خطوتي أو زلتي الأخيرة .. ليس لأنني لم أحدد موقفي وقرارتي مسبقاً بل لأن الصورة كانت غباشاً وقتها وكل رمية في ذلك الوقت هي بلا شك رمية من غير رامي في ظل غياب الوعي والإرشاد اللازمين في تلك المرحلة المصابة بداء الإهمال في محيطنا..

كان السؤال الأخير من تلك المقابلة ذات السؤال المحدود والجواب المحفوظ والشبيهة بـ _ (كيف الحال؟ الحمدلله): ماذا تريدين أن تتخصصي في المستقبل؟ ، قلبت التخصصات في بالي سريعاً وقلت : أطفال ! لم تكن إجابتي السطحية تلك تضايقني في وقتها فقد أيقنت أن تلك القرارات سأحسمها مستقبلاً  بعد التعمق والتجربة ، ولكن ما يزعجني الآن حقاً أنه عندما يتكرر علي نفس هذا السؤال وبعد ست سنوات من الدراسة أظل أجيب عليه بنفس التردد ونظل نبت بالأمر المجهول ولكن الفارق أنه يمتاز الآن بسطحية أقل قليلاً وتوتر ضخم مستدام يصعب مجابهته وإخماده وخصوصاً عندما يتبادر إلى ذهني أن القرار النهائي لا يفصلني عنه سوى بضعة أشهر..

نخرج من الثانوية وحجم الوعي الذي نتلقاه ضئيل جداً أمام حجم القرار الذي سنبني على أكتافه المستقبل ، فلا نعلم ماهي الصورة النهائية والمستقبل الذي يأوي إليه أي تخصص نختاره (من طريقة الحياة التي قد تفرضها تلك الوظيفة – كمية الاحتياج لهذا التخصص- الضمان الوظيفي- المرتب- المدن التي توجد بها فرص وظيفية لذلك التخصص) ومع ذلك قد نختار الطب عبثاً وننهي دراسته  وما زالت كل المعلومات التي قرأناها في الكتب خلال سنين الدراسة عاجزة على أن تعطينا أي إشارة تصيب خاصرة الحيرة فتبددها وتحيلها وتوجهنا مباشرة صوب ما يليق بنا وتبعدنا عن ما لا يليق بنا من تخصصاته المختلفة.

ولأن التجربة خير برهان، والممارسة هي دلال الضلال وهي لا تكون كاملة ووافية إلا في سنة الإمتباز التي يكون التقديم للتخصصات في منتصفها! فماذا ستفعل لو اكتشفت بعد بداية سنة الإمتياز أن خيارك الأول كان خاطئا والذي يليه أيضاً خاطئاً هي سيكفيك الوقت لتلحق بالركب ، لتعيد ترتيب الجدول وتقلب قائمة خياراتك رأساً على عقب علها تصيب مع أحد التخصصات بدل أن تخيب..

أعلم أن الأمر ليس بالعشوائية التي سردتها ولكن أليس من حقنا أن نمارس العمل في جميع التخصصات وأن نعطيها الوقت الكافي فنتخذ قراراتنا بعد سنة من العمل الجاد والممارسة الحقيقة.

فرغم كل محاضرات التوعية والتنقيب المستمر في مسيرات السابقين والنهل من تجاربهم الخاصة فإنها تظل ضئيلة جدا أمام التجربة الحقيقة ، فلكل نفس ميلولها ونظرتها وتحتاج أن تعطى فرصتها كاملة..

ما نحتاج هو القليل من الوقت يضمن لنا قرار صحيح يأتي بمستقبل مريح ، معضلة التقديم في منتصف سنة الإمتياز يجب أن تنتهي ، ومن أجلها أصبحت أهب كل تجاربي نحو أي طالب ترميه الصدفة في طريقي فقد تخفف من حيرته فيما بعد وهي بالنهاية لا تعد شيئاً أمام المزاولة الحقيقية والتي نحاول أن نصطبغها بحياة الطبيب المقيم ما أمكننا ذلك حتى نتأكد من قرارتنا قبل أن نجزم عليها..

وأخيراً ، قررت أن أعود إلى ثكناتي الأولى فأعيد النظر في تخصص طب الأطفال فربما إجابتي العفوية هذه كانت أقرب إلى الصواب وربما سطحيتها تلك كانت قد أورثتها صدقاً أكثر ونظراً أبعد مما هي عليه الآن..

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد