خطوات بناء “الإحترافية” في المجتمع الطبي

د.جمال طاشكندي-تخدير-ام القرى ‫‬

الكاتب: د.جمال طاشكندي*
ترتبط جودة الخدمة الصحية المقدمة للمريض وبشكل كبير مع حرفية التعامل معه من قبل الطبيب المعالج. والحرفية هي مجموعة صفات تكوّن قواعد وأسس التعامل مع المريض والتي تتضمن الجودة،الإنسانية،المحاسبة،والمسؤولية المجتمعية.

وبناء الإحترافية أو الحرفية في المجتمع الطبي لا تكفيه معرفة عامة غير محددة المعالم ولا تعتمد على دعوات أخلاقية أو دينية شكلية لا تأثير لها على واقع الممارسة. بل يبدأ البناء الحقيقي بوضع أسس البناء له في مرحلة مبكرة من التعليم الطبي، حتى تتأصل  الفكرة في فكر ووجدان طبيب المستقبل. اذا فالإحترافية مادة علمية لها منهج وخطة دراسية تفصيلية وليست عبارة عن إملاءات لأفكار و آراء شخصية  

وهنا تظهر أهمية دور المؤسسات العلمية والطبية في عملية البناء هذه.

على المستوى الفردي تكون البداية بمعرفة متعمقة وإيمان حقيقي بالتالي:

  • أولا: معرفة الحقوق الخمس للإنسان،وهي حق حفظ النفس والعقل والدين والمال والعرض. فالتعرف عليها والتعريف بها أمران ضروريان لعمل يخلو من شوائب الآراء الشاذة أو شبه التعدي عليها وتبرير زلك.
  • ثانيا: جعل المريض “مركز” أو “محور” الممارسة الطبية. فبذلك تلغى “المشوشات” من شخصنة للمسائل  بين الطبيب و الفريق الطبي أو بينهم وبين المريض. بذلك يتحول النقاش العلمي ويتركز في ما هو الأصلح للمريض لا ما تمليه حظوظ النفس أو الآراء الخاصة.
  • ثالثا: الأخذ في الاعتبار عادات المجتمع ومعتقداته و احترامها. ويتضمن ذلك احترام المعتقدات الدينية والغير دينية مما يعتبره المجتمع مقدسا وإن خالف ذلك معتقد الطبيب المعالج. فمن المعروف علميا أن تفاعل المريض وتقبله للعلاجات يرتبط بشكل كبير في عدم تعارضها مع هذه المعتقدات.

أما على مستوى المؤسسات العلمية والطبية فيكون دورها أشمل وأكبر فهي تقوم بدور تعليم ابجديات الإحترافية ثم تقوم بدور المراقبة والمتابعة من خلال عمليات التعليم المستمر للتأكد من أنها كمؤسسة تقدم خدمة طبية محترفة جاعلة من المريض محورا وأساسا لخدماتها.

حاليا وفي دول عدة تتضمن  المطالبة لتصاريح مزاولة المهنة للمؤسسة الحصول على شهادة “الحرفية” كأحد الشروط الحصول على هذا التصريح. ولكي يحصل ذلك يجب على المؤسسة تقديم ما يثبت تمسكها والعاملين بها بمبادئ الحرفية وتفعيلها على أرض الواقع.

أخيرا فقد أثبتت الأبحاث العلمية أن إرتفاع حالة عدم الرضى من قبل متلقي العلاج من المرضى ونسبة الدعاوي القانونية ضد الأطباء أو جهات عملهم مرتبط وبشكل كبير بسوء التواصل معه وبغياب الحرفية في التعامل معه خاصة في حال حدوث مضاعفات أو أخطاء طبية. ولعل ذلك يفسر التوجه الكبير في السنوات العشر الأخيرة لكليات الطب في أنحاء العالم لتدريس الحرفية والتواصل وجعلهما من المواد الملازمة لطالب الطب من المراحل الأولى حتى مرحلة ما بعد التخرج وأثناء فترة تدريبه في مرحلة التخصص والتخصص الدقيق.

إن الحرفية كمبدأ تتجلى عندنا في مبدأ الإحسان وهي حالة إيجابية  من الحضور الذهني والنفسي والفكري للإنسان. وفيها المعنى الأشمل للعبادة والتي تصل بالإنسان إلى مرحلة من الرقي لتكون حياته و ما فيها عبادة خالصة لله سبحانه فلا تحدها أماكن ولا أزمنة ولا تعامل مع فئة معينة من البشر.

حياة تغلفها المعرفة الدقيقة وتطبعها الأخلاق الإنسانية وتغلب عليها الفطرة السليمة وتحميها القوانين العادلة وتكتنفها الصفات السامية من رحمة وإيثار وتواضع وصدق وإخلاص.

الاحترافية هي الضامن لعدم تعدي الإنسان على أخيه الإنسان، وذلك في جميع مجالات الحياة.

*استشاري تخدير وأستاذ مساعد بكلية الطب – جامعة أم القرى

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد